السيد كاظم الحائري
551
تزكية النفس
وذكر أحمد أمين في بيان تأثير تكرّر ورود فكرة ما لعمل على الذهن إلى أن تنتج عملا ، ثمّ يصير ذلك عادة بالتكرار : « هب أنّ شابا مستقيما دعاه مرّة رفقة السوء ليشرب معهم ، فنرى أنّ ذلك الشابّ عند سماع هذا الرأي يرفض الفكرة بتاتا ، ويقول : ( لا ) بملء فيه ، ولكن قد يدعوه رفقاؤه لأن يصحبهم من غير أن يشرب ، ويزيّنون له هذا الرأي بما أوتوا من حيل ومهارة ، فيرى بعد طول القول وكثرة الإغراء أنّ هذا الرأي لا يضره ما دام في عزمه أن يذهب ولا يشرب ، وقد يتم ذلك حقيقة ، فيذهب معهم ولا يشرب ، وقد يكرر ذلك ، ولكنه في كلّ ذهاب معهم تقلّ قوّة الممانعة ، وتأتي فكرة الشرب في كلّ مرّة ، فتعمّق مجراها في المخّ ، ولا تزال تضعف قوّة المقاومة عنده حتّى لا يرى له قدرة على الامتناع ، فيشرب الكأس الأولى معتقدا أنّه يستطيع أن يضرب عن الشرب في أيّ وقت شاء ، وهو في كلّ مرّة يشرب يثبّت عادة الشرب ، وإذا به سكّير » « 1 » . أقول : ولهذا ورد في الحديث : « ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة . . . » « 2 » . وقال - أيضا - أحمد أمين : « حكى ( ألفونس سكيروس ) في كتابه ( التربية الاستقلاليّة ) : أنّ امرأة عليها سمة الاحتشام والحياء دخلت أحد الحوانيت ، وانتقت ما أرادت ، وأخرجت من جيبها ورقة ( بنك ) قيمتها خمسة جنيهات ، ولكنّ صرّاف الحانوت وجد أنّها مزوّرة ، فبهتت المرأة ، وأخرجت له أخرى ، ولكنّها لم تكن خيرا من الأولى ، فارتاب الرجل في أمرها وسلّمها إلى الشرطة ، وبعد التحقيق تبيّن أنّ هذه المرأة خادمة أمينة ، كانت عند مخدومها ورقتان مزيّفتان وقعتا في يده اتّفاقا ، فتركهما في بيته من غير أن يمزّقهما ، وكانت الخادمة تدخل الحجرة التي فيها الورقتان كلّ يوم ؛ لتنظّفها ، فتقع عينها عليهما ولا تعبأ بهما ، ولكنّ
--> ( 1 ) الأخلاق لأحمد أمين : 39 . ( 2 ) أصول الكافي 2 / 451 .